كاب طنجة
في السياسة، لا تكفي الأسماء الجديدة للإعلان عن مرحلة جديدة، كما أن تغيير ترتيب الأحزاب داخل الحكومة لا يعني بالضرورة تغييراً في طبيعة السياسات العمومية.
ومن هنا يطرح سيناريو تشكيل الحكومة المقبلة من حزب الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام حكومة جديدة فعلاً، أم أمام إعادة تشكيل للتحالف الحكومي السابق بترتيب سياسي جديد؟
الأرقام البرلمانية تجعل هذا السيناريو ذا وزن واضح؛ فالأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66، والاستقلال على 65، أي ما مجموعه 228 مقعداً من أصل 395، مقابل 198 مقعداً المطلوبة للأغلبية المطلقة.
حكومة جديدة بتركيبة قديمة؟
إذا انتهت المشاورات إلى هذا التحالف الثلاثي، فإن المفارقة السياسية ستكون واضحة: الأحزاب الثلاثة هي نفسها التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة، لكن قيادة الحكومة ستنتقل إلى الحزب الذي تصدر انتخابات 2026.
وبالتالي، سيكون التغيير الأكبر في موقع القوة داخل الأغلبية، وليس بالضرورة في مكوناتها.
وهنا يمكن فهم عبارة: «إذا اجتمع البام والاستقلال والأحرار، فلن يكون الأمر إلا تعديلاً حكومياً».
لكن هذه القراءة لا تعني أن الحكومة ستكون بالضرورة نسخة مطابقة للحكومة السابقة؛ فترتيب الأحزاب تغير، وتوزيع المقاعد تغير، كما أن رئاسة الحكومة انتقلت إلى الأصالة والمعاصرة بعد تصدره الانتخابات. وقد بدأت بالفعل المشاورات مع الأحرار والاستقلال.
السيناريو الأول: التحالف الثلاثي
هذا هو السيناريو الأكثر وضوحاً من الناحية العددية: البام + الأحرار + الاستقلال = 228 مقعداً.
تركيبة تمنح الأغلبية هامشاً مريحاً داخل مجلس النواب، وتسمح للأحزاب الثلاثة بتشكيل حكومة دون الحاجة إلى شريك رابع.
لكن التحدي سيكون في توزيع الحقائب والمسؤوليات، وفي تحديد البرنامج الحكومي، وفي كيفية الانتقال من تجربة حكومية كان يقودها الأحرار إلى تجربة جديدة يقودها البام.
بمعنى آخر، لن يكون السؤال فقط: من يدخل الحكومة؟ بل: من يملك القرار داخلها؟ وكيف ستتوزع مراكز القوة؟
السيناريو الثاني: توسيع الأغلبية
قد تذهب المشاورات في اتجاه تشكيل أغلبية أوسع من الأحزاب الثلاثة، سواء بإضافة الحركة الشعبية أو الاتحاد الاشتراكي أو حزب آخر.
هذا الخيار قد يمنح الحكومة قاعدة سياسية وبرلمانية أوسع، لكنه في المقابل يعني تعدد المطالب والتفاوض حول عدد أكبر من الحقائب والبرامج والأولويات.
وفي هذه الحالة لن يكون الهدف فقط ضمان الأغلبية، وإنما بناء ائتلاف سياسي قادر على الاستمرار خلال الولاية المقبلة.
السيناريو الثالث: حكومة بثلاثة أحزاب لكن ببرنامج جديد
هناك سيناريو مختلف في القراءة السياسية: أن تدخل الأحزاب الثلاثة نفسها، لكن ببرنامج حكومي جديد وأولويات مختلفة.
فالحكومة المقبلة ستكون أمام ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، إضافة إلى الاستعداد للاستحقاقات المرتبطة بمشاريع 2030.
وهنا تصبح المسألة مرتبطة بما ستقدمه الحكومة من سياسات، وليس فقط بمن سيجلس حول طاولة مجلس الحكومة.
الاستقلال أمام اختبار جديد
بالنسبة إلى حزب الاستقلال، فإن المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة ستضع الحزب أمام معادلة سياسية جديدة.
فالحزب الذي جاء ثالثاً بـ65 مقعداً سيكون أحد المكونات الأساسية للأغلبية، لكن موقعه داخل الحكومة المقبلة سيتحدد من خلال نتائج المشاورات وتوزيع المسؤوليات.
وسيكون الاختبار الحقيقي هو مدى قدرة الحزب على ترجمة حضوره الانتخابي إلى وزن سياسي وبرنامجي داخل الحكومة.
والأحرار؟
أما التجمع الوطني للأحرار، فإن مشاركته في التحالف الثلاثي تعني انتقاله من قيادة الحكومة إلى المشاركة في حكومة يقودها حزب آخر.
وهذا لا يعني بالضرورة خروج الحزب من دوائر التأثير، خصوصاً أن حصوله على 66 مقعداً يجعله ثاني قوة برلمانية في مجلس النواب.
لكن طبيعة العلاقة بين الحزبين، وكيفية توزيع القطاعات الوزارية، ستكون من بين أهم نقاط التفاوض في تشكيل الحكومة.
البام أمام مسؤولية مختلفة
الأصالة والمعاصرة، باعتباره متصدر الانتخابات، يوجد أمام مسؤولية سياسية مختلفة عن المرحلة السابقة.
فالتصدر الانتخابي منحه موقع قيادة المشاورات، لكن قيادة الحكومة ستعني أيضاً تحمل المسؤولية السياسية عن نتائجها.
وبالتالي، فإن نجاح التجربة لن يقاس فقط بعدد الحقائب التي سيحصل عليها الحزب، وإنما بقدرته على تحويل تصدره الانتخابي إلى برنامج حكومي واضح وقابل للتنفيذ.
الخلاصة: التغيير في الأشخاص أم في السياسات؟
ربما يكون السؤال الأهم بالنسبة للمغاربة خلال المرحلة المقبلة ليس: من سيكون وزيراً؟
بل: ماذا ستغير الحكومة الجديدة؟
إذا بقيت الأحزاب الثلاثة نفسها، واستمرت السياسات الكبرى بالمنهج نفسه، وتم فقط تغيير رئيس الحكومة وتوزيع الحقائب، فقد تبدو التجربة أقرب إلى إعادة هندسة للأغلبية وتعديل حكومي واسع.
أما إذا جاءت الحكومة ببرنامج جديد، وأولويات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وطريقة جديدة في تدبير الملفات العمومية، فإن وصفها بأنها مجرد «تعديل حكومي» لن يكون كافياً.
في النهاية، الانتخابات غيرت موازين القوى داخل الأغلبية؛ أما الحكومة المقبلة فسيكون عليها أن تثبت ما إذا كانت ستغير أيضاً طريقة ممارسة السلطة وتنفيذ السياسات العمومية.
