من مؤسسة كانت في طليعة الغرف الجهوية إلى مؤسسة يطغى عليها الفراغ المؤسساتي
بقلم: مصطفى بن عبدالغفور
فاعل اقتصادي – كاتب رأي – مستشار بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة
ليست كل المؤسسات تضعف نتيجة محدودية الإمكانيات، فبعضها يتراجع بسبب سوء التدبير، وبعضها بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية، وبعضها الآخر بسبب ترسخ الصمت إلى درجة يتحول معها إلى جزء من الثقافة المؤسسية.
والغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، التي كانت في وقت من الأوقات من بين أكثر الغرف إشعاعاً وحضوراً على المستوى الوطني، تعيش اليوم، في تقديري، مرحلة تستدعي وقفة تأمل ومراجعة مسؤولة.
ولا أكتب هذه السطور بدافع الخصومة مع أي طرف، ولا سعياً إلى تصفية حسابات، وإنما وفاءً لمؤسسة قضيت داخلها سنوات من العمل، وعايشت مراحل قوتها، وأشعر اليوم، كما يشعر العديد من المهنيين، بأن جزءاً من روحها قد تراجع.
من الجهوية إلى الجهوية الانتقائية
أُحدثت الغرف الجهوية لتكون إطاراً جامعاً لممثلي مختلف أقاليم الجهة، بهدف توحيد الجهود لخدمة التنمية الاقتصادية الجهوية.
غير أن المتتبع لبعض الأنشطة يلاحظ، في أكثر من مناسبة، أن الدعوات تُوجه أساساً إلى أعضاء الإقليم المحتضن للنشاط، في حين يُستثنى أعضاء باقي الأقاليم، وكأن الغرفة الجهوية قد تحولت إلى غرفة محلية متنقلة.
ويُبرَّر ذلك أحياناً بضرورة ترشيد نفقات التنقل.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تفسير استمرار تنقل الإدارة الجهوية، ومديرها، ورؤساء الأقسام، والأطر بين مختلف الأقاليم في إطار مهامهم، في حين يُعتبر حضور المنتخبين عبئاً مالياً؟
أليس المنتخبون جزءاً أصيلاً من بنية المؤسسة؟
ألم يُنتخبوا لتمثيل مهنيي الجهة ككل دون استثناء؟
ثم لماذا لا يُلاحظ هذا النهج في عدد من الغرف الجهوية الأخرى؟
هل يحق لكل رئيس أن يضع قواعد خاصة به؟
أم أن مفهوم الجهوية أصبح خاضعاً لاجتهادات ظرفية تختلف باختلاف الأشخاص؟
اللجان… محركات متوقفة
لا تُقاس المؤسسات بعدد مكاتبها أو حجم بناياتها، وإنما بمدى فعالية أجهزتها وحيوية آليات اشتغالها.
وتُعد اللجان الوظيفية والاستشارية والأقطاب القطاعية المحرك الأساسي لأي غرفة مهنية.
غير أن التساؤل المشروع هو: ماذا يتبقى من هذا الدور عندما لا تجتمع هذه اللجان، في كثير من الحالات، إلا قبيل انعقاد الدورات العادية، وبهدف استكمال المساطر الشكلية فقط؟
كيف يمكن لمؤسسة أن تنتج أفكاراً مبتكرة، أو مبادرات نوعية، أو حلولاً عملية لإشكالات المهنيين، إذا كانت أدوات التفكير والتشاور شبه معطلة؟
الكراسي الفارغة… عنوان مرحلة
من المؤسف أن يتحول مشهد الكراسي الفارغة إلى صورة مألوفة داخل مؤسسة يُفترض أن تكون بيتاً جامعاً للمهنيين.
أنشطة بحضور محدود.
لجان شبه معطلة.
تمثيلية تتراجع تدريجياً.
ومبادرات تفقد زخمها.
وفي المقابل، تمكنت غرف جهوية أخرى من تجاوز هذا الفراغ، وتعزيز حضورها، وبناء شراكات استراتيجية، وترسيخ موقعها داخل محيطها الاقتصادي.
أما نحن، فما زلنا نختلف حول أبسط قواعد العمل المؤسساتي.
الصمت… هل أصبح سياسة؟
اللافت أنني، كلما نشرت مقالاً أو طرحت تساؤلاً حول أداء الغرفة، أتلقى اتصالات ورسائل من أعضاء وعضوات، من الأغلبية كما من المعارضة، يعبرون فيها عن تقديرهم لما أكتبه، ويؤكدون أن عدداً من الملاحظات المطروحة تستحق النقاش الجاد.
غير أن أغلب هذه المواقف تبقى محصورة في الكواليس.
في لقاء عابر…
أو على مائدة غداء…
أو خلال جلسة غير رسمية…
أما داخل المؤسسة، فيسود الصمت.
ولا أحد يجهر بما كان يصرح به قبل لحظات.
التحالف… أم الصمت؟
التبرير الأكثر تكراراً هو ضرورة الحفاظ على التحالف.
لكن أي تحالف هذا؟
كيف يتحول التحالف داخل الغرفة إلى سبب للصمت، بينما نشهد داخل عدد من الجماعات الترابية حلفاء يختلفون، وينتقد بعضهم بعضاً، بل ويصوتون ضد بعضهم في قضايا متعددة، دون أن يعني ذلك انهيار التحالف؟
لماذا يصبح مجرد إبداء الرأي داخل الغرفة خروجاً عن الصف؟
وهل تُصان التحالفات بالصمت عن الاختلالات، أم بمعالجتها وتصحيحها؟
إن التحالف الذي يقوم على إسكات الأصوات لضمان استمراره، هو تحالف يستوجب المراجعة قبل أن تستدعي المؤسسة نفسها التدخل.
من يدافع عن المؤسسة؟
قد يرى البعض أن إثارة هذه القضايا لا تخدم المؤسسة.
غير أن المؤسسة لا يضرها النقد المسؤول، بقدر ما يضرها الصمت الطويل.
وقد يعتبر آخرون أن التوقيت غير مناسب.
لكن متى يكون التوقيت مناسباً للدفاع عن مؤسسة تتراجع أدوارها؟
وقد يعتقد البعض أن الصمت حكمة.
غير أن التجربة التاريخية تؤكد أن المؤسسات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً عندما يعتاد الجميع رؤية الخلل دون التوقف عنده.
الرسالة الأخيرة
إن هذا المقال ليس موجهاً ضد أي شخص، ولن يكون كذلك.
فالأشخاص يأتون ويغادرون، أما المؤسسات فتبقى.
الرئاسة مرحلة.
والمكاتب المسيرة تتغير.
والولايات الانتدابية تنتهي.
لكن الأثر هو ما يبقى.
ويبقى السؤال الذي سيطرحه التاريخ على كل من تحمل مسؤولية داخل هذه المؤسسة:
هل تم تسليم الغرفة لمن سيأتي بعدكم أقوى مما كانت عليه، أم تم تركها مجرد بناية أنيقة فقدت روحها؟
لقد انتُخبنا لتمثيل المهنيين، لا لتمثيل الصمت.
وانتُخبنا لحماية المؤسسة، لا لجعلها رهينة الحسابات الضيقة أو المجاملات.
فالخاسر الحقيقي ليس المعارضة ولا الأغلبية.
وليس الرئيس ولا أعضاء المكتب.
بل الخاسر الحقيقي هو التاجر، والصانع، ومقدم الخدمات، وكل مهني كان ينتظر من غرفته الجهوية أن تكون صوته، وسنده، وشريكاً فاعلاً في التنمية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ليس وجود معارضة قوية، بل غياب الأصوات الصادقة التي تقول الحقيقة عندما يصبح الصمت هو القاعدة، ويصبح الكرسي الفارغ عنواناً لمرحلة كاملة من تاريخ مؤسسة كان يُفترض أن تكون رافعة للتنمية الاقتصادية على مستوى الجهة.
