بقلم عبد المغيث مرون
في السنوات الأخيرة، انتشرت موجة من الخطابات التي ترفع شعار “التنمية الذاتية” و”السلام الداخلي” و”السعادة”، وهي في أصلها أفكار نبيلة إذا كانت تهدف إلى تطوير الإنسان، وتقوية شخصيته، وتحسين علاقته بنفسه وبالآخرين.
لكن المؤسف أن بعض ممن يقدمون أنفسهم كخبراء في هذا المجال جرّوا علينا أفكارًا هجينة بعيدة عن جوهر التنمية الحقيقية، أفكارًا تُغلف الأنانية بثوب الوعي، وتُقدّم اللامبالاة على أنها قوة، والابتعاد عن الناس على أنه نضج، وقطع العلاقات على أنه حماية للنفس.
عبارات من قبيل: “لا تهتم بأحد”، “لا تبالي بمشاعر الآخرين”، “أنت فقط مهم”، “عش لنفسك فقط” قد تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها تحمل خطرًا كبيرًا عندما تتحول إلى فلسفة حياة قائمة على الفردانية المفرطة وإلغاء قيم التضامن والرحمة والمسؤولية.
فالإنسان لا يعيش في جزيرة معزولة، بل هو جزء من أسرة ومجتمع وأمة، وقيمنا الإسلامية السمحة لم تعلمنا أن نهمل ذواتنا، بل علمتنا التوازن: أن نحب أنفسنا دون أن نؤذي غيرنا، وأن نبحث عن راحتنا دون أن ننسى حقوق الآخرين، وأن نحافظ على كرامتنا دون أن نفقد إنسانيتنا.
التنمية الذاتية الحقيقية ليست أن تصبح شخصًا لا يشعر إلا بنفسه، بل أن تصبح شخصًا أكثر وعيًا، أكثر حكمة، وأكثر قدرة على العطاء.
فالقوة ليست في أن تغلق قلبك أمام الناس، وإنما في أن تمتلك قلبًا رحيمًا وعقلًا متزنًا.
نحتاج اليوم إلى تنمية ذاتية تنطلق من هويتنا وقيمنا، لا إلى استيراد أفكار تزرع العزلة وتحوّل الإنسان إلى مشروع أناني يبحث عن ذاته ولو على حساب محيطه.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تكون سعيدًا وحدك… بل أن تكون سعيدًا وأنت تصنع الخير من حولك.
