بقلم: مصطفى بن عبدالغفور – فاعل اقتصادي وكاتب رأي
مع اقتراب عيد الأضحى، تبدو الأسواق المغربية هذا العام أمام وضع اقتصادي واجتماعي استثنائي يثير العديد من علامات الاستفهام. فرغم وفرة العرض في عدد من الأسواق ونقاط البيع، فإن الحركة التجارية تسجل تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، في مشهد يعكس حالة من التردد والضغط الذي تعيشه الأسر المغربية تحت وطأة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
هذه الوضعية تكشف أن أزمة الأضاحي لم تعد مرتبطة فقط بمستوى العرض أو الطلب، بل أصبحت تعبيراً عن اختلال أعمق يمس العلاقة بين السوق والقدرة الاستهلاكية للمواطن. فحتى مع توفر القطيع، فإن جزءاً مهماً من الأسر بات يجد صعوبة في مجاراة الأسعار المتداولة، خاصة في ظل تراكم أعباء المعيشة وارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال الانعكاسات الاقتصادية لهذا الركود على النسيج المهني المحلي. فعيد الأضحى يشكل بالنسبة لعدد كبير من الحرفيين وصغار التجار والمهنيين موسماً اقتصادياً أساسياً لتحريك المعاملات التجارية وتحقيق مداخيل تساعد على مواجهة الالتزامات السنوية. لذلك فإن ضعف الإقبال لا ينعكس فقط على سوق المواشي، بل يمتد أثره إلى قطاعات النقل، والخدمات، والأنشطة الموسمية المرتبطة بهذه المناسبة.
ومن زاوية تدبير السياسات العمومية، يطرح الوضع الحالي نقاشاً مشروعاً حول نجاعة التدخلات المعتمدة لتنظيم السوق وتحقيق التوازن بين حماية القدرة الشرائية ودعم المنتجين. فرغم الإجراءات التي تم الإعلان عنها خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك تسهيل الاستيراد وتوسيع العرض، إلا أن تأثير هذه التدابير على الأسعار النهائية ظل محل نقاش واسع بين المهنيين والمتابعين للشأن الاقتصادي.
ويبدو أن أحد أبرز الإشكالات المطروحة يرتبط ببنية سلاسل التوزيع وتعدد الوسطاء، وهو ما يساهم، بحسب عدد من الفاعلين المهنيين، في اتساع الفارق بين تكلفة الإنتاج والسعر الذي يصل إلى المستهلك النهائي. كما أن الفلاحين الصغار بدورهم يواجهون تحديات متزايدة مرتبطة بارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية، ما يجعلهم في موقع ضغط متواصل بين كلفة الإنتاج ومتطلبات السوق.
وفي سياق متصل، يبرز التساؤل حول الأدوار المنتظرة من المؤسسات المهنية والهيئات الوسيطة، سواء في ما يتعلق بالتأطير أو المرافعة أو المساهمة في بلورة حلول عملية تساعد على تحقيق قدر أكبر من التوازن داخل السوق. فالأزمات الظرفية غالباً ما تكشف الحاجة إلى تقوية آليات الوساطة الاقتصادية وتعزيز قنوات التواصل بين مختلف المتدخلين.
إن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تتم فقط عبر تدابير ظرفية أو حلول موسمية، بل تتطلب رؤية اقتصادية واجتماعية أكثر شمولاً، تنطلق من دعم الإنتاج الوطني، وتحسين آليات المراقبة والشفافية داخل سلاسل التوزيع، وتعزيز التوازن بين مصالح المنتج والمستهلك معاً.
فاستقرار الأسواق لا يقاس فقط بوفرة العرض، بل أيضاً بقدرة المواطنين على الولوج العادل إلى الاستهلاك، وبمدى قدرة الاقتصاد المحلي على الحفاظ على حيويته وتوازنه الاجتماعي خلال المناسبات ذات البعد الديني والاجتماعي الكبير.
