في مدينة تُقدَّم باعتبارها واجهة المغرب الحديثة، وعاصمة اقتصادية تتسع عمرانياً كل يوم، ما يزال نساء ورجال التعليم يعيشون مفارقة موجعة داخل بعض مقرات التعاضدية و(CNOPS)، خصوصاً بمحيط رياض “عين قطيوط” وقرب ساحة ”بئر أنزران”، حيث تتحول رحلة قضاء غرض إداري أو صحي بسيط إلى معاناة إنسانية مفتوحة على كل أشكال الانتظار والإهانة والاختناق.
فما إن يقترب المرتفق من تلك الممرات الضيقة حتى يشعر بأنه يغادر طنجة الكبرى إلى فضاء آخر لا علاقة له بشعارات “تجويد الخدمات” و”الإدارة في خدمة المواطن”. هناك، وسط زحام الأرصفة وضيق المداخل، تصطف طوابير طويلة من الأساتذة والمتقاعدين والمرضى، بعضهم يحمل ملفات طبية ثقيلة، وبعضهم يحمل فوق كتفيه تعب سنوات طويلة من خدمة المدرسة العمومية، في انتظار دور قد يمتد لساعات.
في مقر “عين قطيوط”، تبدو الكرامة نفسها وكأنها رهينة داخل ممرات خانقة لا تتسع للعدد الهائل من المنخرطين. لا مقاعد كافية، ولا فضاءات انتظار تحفظ الحد الأدنى من الراحة، ولا مرافق صحية تليق بأشخاص تجاوز كثير منهم سن التقاعد وأثقل المرض أجسادهم.
أما الأرصفة المحاذية للمقر، فقد تحولت إلى امتداد قسري لقاعة الانتظار، حيث يتقاسم رجال ونساء التعليم ضيق المكان مع السيارات وعوادمها وضجيج الشارع.
والمؤلم أكثر، أن بعض المرتفقين لا يجدون سوى الصراخ والتذمر في وجوههم كلما امتلأت الممرات بالمنتظرين، حتى أصبح مجرد الوقوف داخل العمارة يُقابل أحياناً بالتضييق والزجر من طرف حارس العمارة التي تحتضن المقر ، وكأن المنخرط تحول من صاحب حق إلى عبء ثقيل يجب التخلص منه بسرعة.
لن ينسى كثيرون تلك المشاهد التي تختزل حجم الألم الصامت داخل هذه الفضاءات. أستاذة مسنة تتكئ على عكاز، جاءت تحمل ملف عملية جراحية مستعجلة، قبل أن تتعثر وسط الاكتظاظ عند درج المقر الضيق. سقط جسدها المتعب، لكن الذي انكسر أكثر كان إحساسها بالكرامة بعد عقود قضتها داخل الفصول الدراسية تعلم الأجيال معنى الاحترام والانضباط. لم تجد سوى الفوضى والصراخ وطلب إخلاء الممر. لحظة كانت كافية لتكشف أن الأزمة لم تعد مجرد ضيق بناية، بل ضيق في تصور معنى الخدمة الإنسانية نفسها.
وفي مشهد آخر لا يقل قسوة، يقف متقاعدون أنهكتهم الأمراض لساعات طويلة تحت المطر شتاءً أو حرارة الشمس صيفاً، فقط من أجل توقيع أو ملف تعويض أو وثيقة إدارية. هنا لا يشعر رجل التعليم أنه داخل مؤسسة للرعاية الاجتماعية، بل داخل “نفق إداري” طويل يستنزف أعصابه وصحته وكرامته.
إن ما يحدث اليوم داخل بعض مقرات التعاضدية و(CNOPS) بطنجة ليس مجرد خلل تنظيمي عابر، بل صورة مؤلمة عن الطريقة التي يُعامل بها جزء كبير من الأسرة التعليمية بعد سنوات العطاء. فالأستاذ الذي قضى عمره في تربية الأجيال، لا يطلب امتيازات استثنائية، بل فقط فضاءً يليق بإنسانيته: مقراً واسعاً ومنظماً، مقاعد انتظار محترمة، مرفقاً صحياً نظيفاً، ومسالك خاصة لكبار السن والمرضى، واستقبالاً يراعي تعب الناس بدل أن يضاعفه.
طنجة اليوم ليست مدينة صغيرة حتى تُختزل خدمات آلاف المنخرطين في مقرات ضيقة أقرب إلى “ثقوب إدارية” منها إلى مؤسسات للرعاية والتدبير الاجتماعي. لذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر جذرياً في وضعية هذه المرافق، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المدينة ومع العدد المتزايد للمنخرطين بجهة طنجة تطوان الحسيمة.
إن كرامة رجال ونساء التعليم ليست شعاراً مناسباتياً يُرفع في الخطب والاحتفالات، بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط التفاصيل: من طريقة الاستقبال، ومن احترام وقت المرتفق، ومن توفير شروط إنسانية تحفظ للمتقاعد هيبته وللمريض حقه في الراحة والرعاية.
لقد ضاقت الممرات وضاقت معها صدور المنخرطين، ولم يعد مقبولاً أن تستمر معاناة الآلاف داخل فضاءات لا تليق بتاريخ الأسرة التعليمية ولا بصورة طنجة الكبرى.
إنها رسالة صادقة إلى الجهات المسؤولة: أنقذوا ما تبقى من كرامة المربي، قبل أن تتحول ممرات الانتظار إلى عنوان دائم للإحباط والانكسار.
