استفاقت ساكنة مدينة طنجة على وقع صدمة حقيقية بعد الكشف عن كميات كبيرة من الدجاج الفاسد، كانت في طريقها إلى الأسواق وموائد المواطنين، في واقعة خطيرة أعادت إلى الواجهة سؤال الأمن الصحي والغذائي، وكشفت حجم الاختلالات التي ما تزال تهدد سلامة المستهلك بشكل يومي.
ولئن استحسن الجميع يقظة السلطات المحلية وتدخلها في الوقت المناسب لمنع تسويق هذه الكميات الخطيرة، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند صور الحجز والمصادرة والإتلاف، لأن جوهر الإشكال أعمق من ذلك بكثير، ويتعلق أساسا بمنظومة المراقبة والوقاية والمسؤوليات المؤسساتية المفترض أنها تشتغل بشكل استباقي لحماية صحة الساكنة.
فالواقعة تطرح أكثر من علامة استفهام حول دور المجالس الجماعية ومكاتب حفظ الصحة التابعة لها، باعتبار أن القانون منح للجماعات اختصاصات واضحة في مجال الوقاية الصحية ومراقبة شروط السلامة والنظافة، في إطار ما يعرف بالشرطة الإدارية الجماعية. وهو ما يجعل الرأي العام يتساءل بمرارة: أين كانت أجهزة المراقبة قبل أن يصل الدجاج الفاسد إلى هذه المرحلة؟ وكيف يمكن لكميات بهذا الحجم أن تتحرك وتخزن وتستعد للتوزيع دون أن تثير الانتباه إلا في اللحظات الأخيرة؟
الأكثر إثارة للاستغراب، هو الصمت الرسمي الذي أعقب هذه الواقعة الخطيرة. فإلى حدود اللحظة، لم يصدر أي تواصل واضح أو بلاغ تفصيلي من الجهات المنتخبة المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي، وعلى رأسها عمدة المدينة، لشرح حقيقة ما وقع، وطمأنة المواطنين، والكشف عن التدابير المتخذة لمنع تكرار مثل هذه الكوارث الصحية.
إن تدبير الأزمات لا يقاس فقط بسرعة التدخل بعد اكتشاف الخطر، بل أيضا بقدرة المؤسسات على التواصل مع المواطنين، وتقديم التوضيحات الضرورية، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه الساكنة. فحين يتعلق الأمر بصحة الناس، يصبح الصمت خطأ مضاعفا، لأنه يفتح الباب أمام القلق والإشاعات وفقدان الثقة في المؤسسات.
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستنتهي القضية بمجرد إتلاف المحجوزات، أم أن الأمر يستوجب فتح تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل المتورطين والمتقاعسين، مهما كانت مواقعهم؟ لأن حماية صحة المواطنين لا ينبغي أن تبقى مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل مسؤولية يومية تتطلب يقظة دائمة، ورقابة صارمة، وربطا حقيقيا للمسؤولية بالمحاسبة.
إن ما حدث ليس مجرد واقعة معزولة، بل مؤشر مقلق على وجود ثغرات خطيرة داخل منظومة المراقبة الصحية والغذائية، وهو ما يفرض على مختلف المتدخلين، سلطات ومجالس منتخبة ومصالح مختصة، الانتقال من منطق رد الفعل بعد وقوع الخطر، إلى منطق الوقاية والاستباق، لأن صحة المواطنين ليست مجالا للتهاون أو الحسابات الضيقة، بل خط أحمر يفترض أن تتعبأ لحمايته كل المؤسسات دون استثناء.
