بقلم: عبد المغيث مرون
يشكل موضوع الامتحانات الإشهادية أحد أبرز القضايا التي تستأثر باهتمام الباحثين وصناع القرار التربوي، بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بجودة التعليم وبناء الرأسمال البشري.
فالامتحانات لم تعد مجرد محطة لتقييم التحصيل الدراسي ومنح الشهادات، بل أصبحت مؤشراً على قدرة المنظومة التعليمية على إعداد كفاءات قادرة على الإبداع والمنافسة والإسهام في التنمية الشاملة.
ويهدف هذا المقال إلى تحليل العلاقة بين الامتحانات الإشهادية والتنمية، من خلال مناقشة وظائف التقويم التربوي، واستعراض أهم التحديات التي تواجه الامتحانات الوطنية بالمغرب، واقتراح مداخل إصلاح تجعلها أكثر انسجاماً مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مع كل موسم للامتحانات الإشهادية يتجدد النقاش حول نسب النجاح، ونوعية المواضيع، ومستوى المتعلمين، بينما يغيب في كثير من الأحيان السؤال الجوهري: ما القيمة التنموية لهذه الامتحانات؟ وهل تقيس فعلاً الكفايات التي يحتاجها المجتمع لبناء اقتصاد المعرفة، أم أنها ما تزال أسيرة منطق استرجاع المعلومات والحفظ؟
لقد أصبح واضحاً أن المدرسة الحديثة مطالبة بأكثر من تخريج الحاصلين على الشهادات؛ فهي مطالبة بتكوين مواطن يمتلك القدرة على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والتكيف مع التحولات المتسارعة.
ومن ثم، فإن الامتحانات الإشهادية ينبغي أن تتحول من مجرد آلية للانتقاء والتصنيف إلى أداة لقياس الكفايات الحقيقية التي تجعل من التعليم رافعة للتنمية.
إن التجارب الدولية الرائدة تثبت أن جودة التعليم لا تقاس فقط بنسبة النجاح في الامتحانات، بل بمدى قدرة هذه الامتحانات على عكس التعلمات العميقة والكفايات القابلة للتوظيف في الحياة وسوق الشغل.
ومن هنا، فإن إصلاح الامتحانات الإشهادية لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح المناهج الدراسية، وطرائق التدريس، وآليات التقويم، بما يجعل المدرسة فضاءً لبناء الإنسان المنتج والمبدع، لا مجرد فضاء لاجتياز الاختبارات.
أولاً: الامتحانات الإشهادية بين الوظيفة التربوية والوظيفة المجتمعية
تؤدي الامتحانات الإشهادية وظائف متعددة؛ فهي من جهة تقيس مدى تحقق الأهداف التعليمية، ومن جهة ثانية تمنح الشهادات التي تفتح أبواب التعليم العالي وسوق الشغل.
غير أن وظيفتها المجتمعية تتجاوز ذلك، إذ تسهم في تكريس قيم الاستحقاق وتكافؤ الفرص، وتوفر للدولة مؤشرات حول جودة منظومتها التعليمية.
غير أن هذه الوظائف لا تتحقق إلا إذا كانت الاختبارات مبنية على معايير علمية دقيقة، وقادرة على قياس الكفايات المركبة، لا مجرد استرجاع المعارف، فكلما اقترب الامتحان من واقع الحياة، ازدادت قيمته في خدمة التنمية.
ثانياً: التنمية تبدأ من المدرسة
لم تعد التنمية في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الحديث مرادفة للنمو الاقتصادي فحسب، بل أصبحت مرتبطة ببناء الإنسان وتنمية قدراته، ومن هذا المنطلق، فإن المدرسة تمثل المؤسسة الأولى لإعداد الرأسمال البشري الذي يشكل أساس التنمية المستدامة.
وعليه، فإن الامتحانات الإشهادية ينبغي أن تقيس مهارات التفكير والتحليل والابتكار والتواصل والعمل الجماعي، لأنها المهارات التي يتطلبها الاقتصاد المعاصر.
أما الاقتصار على قياس القدرة على الحفظ، فإنه يفرز شهادات أكثر مما يفرز كفاءات.
إن إصلاح الامتحانات الإشهادية ليس قضية تقنية مرتبطة بطريقة إعداد المواضيع أو التصحيح فقط، بل هو خيار استراتيجي يحدد طبيعة المدرسة التي نريدها، ونوعية المواطن الذي نسعى إلى تكوينه.
فكل إصلاح حقيقي للمنظومة التعليمية ينبغي أن يجعل من الامتحان وسيلة لتثمين الكفايات، وتحفيز الإبداع، وربط التعلمات بمتطلبات التنمية.
إن المدرسة التي تقيس التفكير بدل الحفظ، والقدرة على الإنجاز بدل تكديس المعلومات، هي المدرسة القادرة على الإسهام في بناء مجتمع المعرفة، وتحقيق التنمية الشاملة.
لذلك فإن سؤال الامتحانات الإشهادية يظل في جوهره سؤالاً حول مستقبل التنمية، وحول المكانة التي نريد أن يحتلها التعليم في المشروع التنموي المغربي.
