بقلم: د. حمدي تريعي
في عالم لم يعُد فيه التوحّش حادثًا عابرًا بل نمط حياة، يظهر مسلسل “وحوش” كصرخة جمالية ضد التواطؤ الجمعي مع القبح، وكعملٍ درامي لا يكتفي بسرد الجرائم، بل يشتبك مع الأسئلة العميقة حول ماهية الشر، وجذور العنف، ومعنى الإنسان حين تنهار حوله منظومات الردع الأخلاقي والاجتماعي، هذا ليس مسلسلًا عن الجريمة، بل عن قابلية الإنسان لأن يتحول إلى كائن مفترس داخل “قانونيّته” الظاهرة. فكل حلقة هي محاولة درامية لاستنطاق المخبّأ، ولتعليق المرآة أمام مجتمع لا يحب أن يرى وجهه بدون تجميل، في زمنٍ تتهاوى فيه الحدود بين الإنسان والوحش، يأتي مسلسل “وحوش” ليقلب المرايا، لا ليُرينا وجوهنا كما نحب أن نراها، بل كما نخشى أن نكون. إنه عمل درامي يتسلل إلى زوايا النفس البشرية، لا ليتعاطف، بل ليُعرّي، لا ليؤنّب، بل ليكشف عن ذلك “الوحش” الذي يسكننا جميعًا بدرجات مختلفة من الإخفاء والتمويه، بُني المسلسل على قاعدة سردية غير تقليدية. هو ليس قصة واحدة بقدر ما هو مجموعة قصص تتقاطع فيها الخيوط النفسية والاجتماعية. كل حلقة تقريبًا تقترب من حالة، شخصية، انحراف، أو جرح إنساني. والملاحظ أن السيناريو يُراهن على اللايقين؛ لا يقدّم أجوبة بل يطرح أسئلة مزعجة: من هو الوحش؟ هل هو من ارتكب الجريمة؟ أم المجتمع الذي صنعه؟ أم العجز الذي صمت؟
هذا التشظي في البناء يعكس تشظي الإنسان المعاصر: المشتت بين رغباته ومخاوفه، بين قِيَمه وواقعه، بين ما يُخفيه وما يضطر لإظهاره حين تُسلب منه أدوات التوازن.
*الشخصيات: لحم ودم وهاوية*
شخصيات “وحوش” ليست كاريكاتورية. لا نجد فيها الشرير المطلق ولا البريء الملائكي. كل شخصية تحمل في طيّاتها وجوهًا متعدّدة، تتقلّب وفق السياق، كما هو حال الإنسان. ما يلفت في المعالجة الدرامية هو أن الشر لا يُقدّم كاختيار واعٍ بقدر ما هو نتيجة تراكُمات، ضغوط، خذلان، وربما صدمة طُفُولية لم تُعالَج، التمثيل، بدوره، اتسم بكثير من التورّط الوجداني، وخصوصًا في الشخصيات النسائية التي كُتب لها أن تكون مرايا للخذلان والنجاة معًا، وكأن المسلسل يشي بأن المرأة ليست فقط ضحية المجتمع، بل شاهدة عليه.
تمثّل شخصيات مسلسل “وحوش” مجموعة مرايا صدئة، تعكس انكسار الإنسان تحت وطأة القمع والخذلان والعزلة. في مقدّمتها تقف “عذاري”، التي جسّدتها شجون الهاجري، لا بوصفها ضحية بريئة، بل ككائن مزدوج: تخنقها الذكريات وتؤرقها التبعات، امرأة صمتت طويلًا حتى صار صمتها فعلة. لم يُمنح هذا الكيان الحزين مساحة نفسية كافية في البناء، فظهرت أحيانًا كأنها تقفز من القهر إلى الجريمة دون تمهيد وجودي متماسك، لكن رغم ذلك، ظلت تعبيرًا مكثّفًا عن لحظة الانفجار الأخلاقي داخل البيت. أمامها، يتجلى “فلاح”، زوجها، الذي أدّاه فيصل العميري، كأنموذج للذكورة المتوارية خلف الأقنعة: يبدو طيبًا، اجتماعيًا، لكنّ الداخل فاسد، ينضح بالخداع. فلاح ليس مجرد رجل عنيف، بل هو صورة المجتمع حين يُزيّن قبحه بالعادات. في المقابل، لا تملك “آمنة” الصغيرة – التي أدّتها هيا عبدالسلام – لا قناعًا ولا فرصة للهروب؛ وجهها الطفولي هو ضمير المسلسل، الصرخة التي لا تنطق لكنها تُبكي. هي الضحية التي تفضح الجميع: العائلة، الجيران، والمدرسة. غير أن العمل – للأسف – جعلها أداة للصدمة أكثر مما منحها بعدًا تحليليًا ككائن هش داخل منظومة لا ترحم. أمّا “سفاح البنوك”، الذي أدّاه علي كاكولي، فقد حمل برودة قاتلة، ينفّذ جريمته دون أثر انفعالي، وكأنّه آلة. إنه الشر حين يصبح وظيفة، حين يتحول القتل إلى سلوك عادي في نظام لا يسأل. خطورة هذه الشخصية أنها بدت مفصولة عن محيطها الاجتماعي، كما لو أنها لم تتكوّن بيننا، بل هبطت جاهزة. وعلى النقيض من ذلك، يظهر “وحش حولي”، الذي جسّده بشار الشطي، كصرخة شبابية معدومة، هشّة، تنفجر في وجه مجتمع أدار ظهره. إنه ابن الهامش، الذي تربّى على الصمت والإهمال، فصار رمحًا موجّهًا نحو الجميع. لكن التحوّل الدرامي لشخصيته بدا متسارعًا أحيانًا، قفز من الطفولة المهملة إلى العنف الفج دون مراحل داخلية مفسّرة، ما جعل المشاهد يصطدم بنتيجته أكثر مما يتورّط في مساره. خلف هؤلاء جميعًا، تلوح شخصية ثالثة غير مرئية: المجتمع. القانون الغائب، الأسرة المتخاذلة، الجيران الصامتون، المدرسة العمياء… كلهم حضروا كـ”شخصية جماعية” تمارس الجريمة بالصمت والتواطؤ. المسلسل، وإن فَصَلَ بين الحلقات، لم يفصل بين الرسائل: الجريمة لا تقع من فراغ، والوحش لا يُولد، بل يُصنع، وكل شخصية فيه هي مجرد تفصيل في لوحة أوسع: لوحة مجتمعٍ متواطئ مع الخراب.
1. الدراما كمحاكاة للعبث الأخلاقي
بعيدًا عن حبكات الخير والشر التقليدية، يضعنا “وحوش” أمام سرديات حقيقية مستوحاة من ملفات الجرائم، ليقول ما مفاده: لسنا في مسرحية ذات مغزى تربوي، بل في واقع يُجبرنا على التساؤل: هل نحن في عالم أخلاقي أم في فوضى مصقولة بالأخلاق؟
كل حلقة تمثّل اقتحامًا للعتمة الإنسانية: جرائم، اغتصاب، قتل، عنف منزلي، تنمّر… وليس الغرض منها الشجب أو الإثارة، بل التقليب في الطبقات العميقة للوعي الاجتماعي، حيث المسكوت عنه يشكّل مركز الحكاية لا هامشها. كما لو أن المسلسل يُنصت لصمت الضحية، ويرفع صوت الصرخة التي لم يُسمح لها أن تصدر.
2. عنف بلا بطل: تفكيك صورة “الشرير”
يتفادى المسلسل بناء شخصية “الشرير” الكلاسيكية. فالجاني في كل حلقة ليس صورة شيطانية واضحة، بل هو مزيج من العوامل النفسية والاجتماعية، من القمع والوصم والفقد. وهنا يدخل البُعد الفلسفي:
من هو الشرير؟ أهو الفاعل أم البنية التي أنتجته؟
هكذا يلامس العمل تصور حنة آرنت عن “تفاهة الشر”، حيث يتحول الشر إلى نتيجة للامتثال والطاعة العمياء، لا ناتج عن نية مبيّتة. يَظهر الجاني وكأنه لم يختر الجريمة، بل انزلق إليها نتيجة مسارات مكرورة من الإهمال والعنف البنيوي.
3. الوحش كمرآة: نقد الحداثة من الداخل
“وحوش” لا يقدم الوحش كآخر خارجي، بل يزرعه داخل الأنا. كل شخصية قد تكون وحشًا بالقوة لا بالفعل، أي أن التحول إلى الوحش ليس انزلاقًا إلى الخارج، بل خروجًا لما هو مكبوت في الداخل، هنا يستدعي المسلسل تساؤلات فوكويانية حول السلطة والانضباط: كيف تصنع المؤسسات – المدرسة، الأسرة، المجتمع، الدين – أجسادًا مطواعة؟ وكيف يتحول الانضباط إلى قمع، ثم إلى انفجار عنيف حين لا تجد الذات فسحة للاعتراف والبوح؟
إنه وحش الحداثة نفسه، ذاك الذي ينتج مواطنًا سليمًا من الخارج، مهشمًا من الداخل. لهذا، لا غرابة أن تكون أبشع الجرائم في المسلسل صادرة عن أفراد عاديين تمامًا، يبتسمون في الصورة الجماعية، ويصلّون في الأعياد.
4. هشاشة العدالة: حين تصمت المؤسسات
ليس فقط الجناة هم الوحوش، بل أحيانًا المجتمع ذاته هو الجريمة المؤجلة. في حلقات عديدة، نجد أن القاتل ما كان ليقتل، والمغتصب ما كان ليغتصب، لولا تلك اللحظة التي أدار فيها النظام ظهره للمستضعفين، وهنا يفتح المسلسل نافذة على سؤال العدالة الوجودية: من ينصف الضحية عندما يكون الجميع متواطئًا بالصمت؟ يبدو كما لو أن الصراخ داخل هذه الحلقات هو صدى لصرخة نيتشه: “من يحارب الوحوش عليه أن ينتبه ألا يتحول إلى وحشٍ هو أيضًا.”
5. الإخراج: كاميرا تقرأ النفس لا الجسد
اعتمد المخرج سعيد الماروق، ومعه في بعض الحلقات محمد سلامة، على لغة بصرية تُجرد المشهد من الزينة لتكشف عمق القسوة. لا تجميل في الإضاءة، لا رومانسية في الألوان. الكادر ضيق خانق، كأننا محشورون داخل علبة مع الجريمة، الكاميرا في “وحوش” لا تنظر من بعيد، بل تتورط. تقترب من العين المرتعشة، اليد المرتجفة، الصرخة المكتومة. إنها ليست كاميرا تراقب… بل تشهد، فالإخراج هنا لا يلتقط الجريمة، بل يتورط فيها، فسعيد الماروق لا يستخدم الكاميرا كعين خارجية، بل يجعلها تتنفس مع الشخصيات، تلهث، تخاف، تختنق، أما في حلقتي “عرس الجهراء” و”وحش حولي” من توقيع محمد سلامة، يتكثف الشعور بأن الكاميرا تحوّلت إلى ضمير صامت، يرصد كيف يصير الجحيم حدثًا اجتماعيًا عابرًا. لا موسيقى تخفف من الصدمة، لا نهاية مريحة. فقط وجوه معلقة بين الذنب والذهول.
وإذا كانت حلقات “وحوش” قد تفاوتت من حيث الإيقاع والعمق النفسي، فإن هذا التفاوت يعكس بوضوح تباين الأساليب الإخراجية بين كل من سعيد الماروق، الذي تولّى الإخراج العام للعمل، ومحمد سلامة، الذي قدّم حلقتين صادمتين بصريًا وموضوعيًا. يتميز سعيد الماروق بإخراجٍ متأنّ، بصريّ، رمزيّ؛ يشتغل على تراكم التوتر الوجودي داخل الكادر، عبر لقطات ساكنة، إضاءة رمادية متقشفة، واستخدام محسوب للصمت والبطء. شخصياته لا تصرخ كثيرًا، لكنها تختنق أمام الكاميرا، تذوب انفعالاتها دون ضجيج. في المقابل، يأتي محمد سلامة بأسلوب أكثر صخبًا، يعتمد على تكثيف الحدث وسرعة الإيقاع، وعلى كاميرا تقتحم المشهد كما لو أنها شاهد عيان لا مراقب متأمل. هذا الأسلوب منح الحلقتين اللتين أخرجهما (عرس الجهراء، وحش حولي) طاقة صادمة، لكنه في المقابل افتقر أحيانًا إلى العمق النفسي والتحليل الوجداني، ومال إلى التقريرية، حيث تحوّلت بعض الشخصيات إلى ناطقين بلسان المأساة، لا كائنات تنزفها من الداخل. ففي حين يخلق الماروق المسافة بين الجريمة ومتلقيها، ليفسح مجالًا للتأمل الأخلاقي، يُلغي سلامة تلك المسافة تمامًا، ويُلقي بك في قلب الانفجار، دون عدسة تحوّل المشهد إلى استعارة. ولهذا قد يشعر المشاهد أن بعض حلقات سلامة تميل إلى “المباشرة البصرية”، فتُظهر الفجيعة كما هي، لكن دون أن تُعمّق أفقها الرمزي. وإذا أردنا استعارة استعارة فنية، قلنا: سعيد الماروق يُخرج الوحش ببطء، يُفككه ويُعلّقه في الفراغ الوجودي، بينما محمد سلامة يقذفه دفعة واحدة في وجه المتفرج، فيكسب صدمة اللحظة لكنه يخسر أحيانًا صمت السؤال. وعلى الرغم من بعض العوائق يمكننا القول أن كلا المخرجين ضروريان لوجهَي العمل: الأول يُفلسف الجريمة، والثاني يُعرّيها؛ غير أن الموازنة بينهما ظلت في حاجة إلى خيط أكثر انسجاما يمنح المسلسل وحدة رؤيوية متماسكة.
6. كتابة المسلسل كمرآة اجتماعية: من الترفيه إلى المواجهة
ما يميز “وحوش” هو أنه لا يهادن المشاهد. لا يريد إرضاءه، بل يريد زعزعته. في مجتمع اعتاد أن يُخفي العفن تحت السجادة، يأتي المسلسل ليرفع السجادة كلها ويقول: هذا ما نخبئه… فلنواجهه، ليست كل الحلقات متساوية من حيث القوة السردية، وبعضها سقط في فخ التقريرية، لكن الأثر العام يبقى: هذا المسلسل ليس للنسيان. إنه تجربة تتغلغل في النفس، وتترك أثرًا ثقيلًا، تمامًا كما تفعل الفلسفة الجيدة: تطرح الأسئلة بدل الأجوبة، وتتركك معلّقًا بين التأمل والذنب.
إذا كانت العدسة الإخراجية قد لعبت دورًا فاعلًا في تحويل الجريمة إلى صدمة بصرية، فإن البناء الجوهري الذي حمل عليه مسلسل “وحوش” يعود أولًا إلى قلم فيصل البلوشي، الكاتب الذي اشتغل في الظل، لكنه كان المهندس الحقيقي لمعماريّة الألم. البلوشي لا يكتب الجريمة كما تُروى في نشرات الأخبار، بل كما تنبض في الجذور العميقة للمجتمع؛ فكل حلقة تنطلق من “حادثة واقعية”، لكنها سرعان ما تتخطّى السرد البوليسي نحو استنطاق البنية النفسية للمجرم، والشرخ العائلي، والتواطؤ الجماعي الذي يسمح بظهور “الوحش”. إنَّ كتابة فيصل البلوشي لا تبحث عن إدانة مباشرة، بل عن مساءلة وجودية: من المسؤول حين يتحول الإنسان إلى وحش؟ هل الجريمة خلل فردي أم صدى لثقافة مريضة؟ بهذه الأسئلة، نجده يُقارب الشخصيات ليس كأدوات سردية، بل كأجساد متصدعة تُقاوم السقوط، ثم تُستسلم له. ما يميّز نص البلوشي هو قدرته على خلق التوازي بين الخاص والعام: كل جريمة تبدأ بحدث خاص جدًا (خيانة، اغتصاب، إهمال)، لكنها سرعان ما تنفجر لتكشف آليات خلل أكبر (أب متسلط، قانون عاجز، محيط اجتماعي ميت أخلاقيًا). ولعلّ أكثر ما يلفت في نصه هو الحذر من تقديم “وحش مطلق”؛ فلا أحد في نصه يبدأ كقاتل، ولا أحد يُولد مجرمًا. بل نرى تدريجيًا كيف يصعد الوحش من قاع الصمت، من التهميش، من الذكريات غير المداواة. بهذا المعنى، فيصل البلوشي ليس مجرد كاتب جريمة، بل هو أشبه بمنقّب في باطن المجتمع، يحفر بسنّ القلم تحت القشرة المزيّفة للحياة اليومية ليكشف ما تخفيه: الألم، العنف، والانفجار القادم. وإذا كان بعض النقاد قد أخذوا عليه شيئًا من الميل إلى المباشرة في بعض الحوارات، فإن القوة الكبرى في نصّه تكمن في بنائه للأحداث كـ”مرآة أخلاقية”، تجبر المتفرّج لا على الحكم، بل على التأمّل في نصيبه من المسؤولية. فكل وحش في الحكاية، هو أيضًا ابن الجماعة.
*الفلسفة في هيئة دراما سوداء*
مسلسل “وحوش” هو أكثر من عمل درامي. إنه محاولة لاختبار سؤال الإنسان:ما الذي يبقيه إنسانًا؟ هل هي الأخلاق؟ القانون؟ التربية؟ أم لحظة واحدة، تُسقط قناع المدنية، وتكشف الوحش الكامن في الأعماق؟
1. بين هيدغر وفوكو: كينونة الإنسان وجسد السلطة
في زمن تتكاثر فيه الأجساد وتضيع فيه الروح، يذكّرنا هذا العمل بأن كل فرد، أيًّا كان، يحمل وحشًا صغيرًا داخله. والمسألة ليست في وجود الوحش، بل في وعيه، في ضبطه، وفي اختيار ألا يُطلق له العنان.
“وحوش” ليس دراما الجريمة… بل دراما الإنسان حين تتكشّف طبقاته الأكثر وحشية في مرآة الواقع، ففي كل حكاية من “وحوش”، تُطرح مسألة الوجود الإنساني ليس باعتباره حقيقة مكتفية، بل كمشروع دائم التهديد بالتفكك. فكما قال هيدغر: “الإنسان هو الكائن الذي يُلقى به في العالَم دون خريطة مسبقة”. وهذا ما يعيشه أبطال المسلسل: وجود هشّ، معرّض للعنف، ومعرّض لأن يُمارس العنف أيضًا، من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الحضور الفوكوي في المسلسل، فكل جريمة تبدو كأنها نتيجة فشل في تمرير السلطة بانضباط: غياب الأب، المدرسة القامعة، النظام القضائي العاجز… كأنما يقول لنا العمل: السلطة حين تُفرط في السيطرة، تنتج الفوضى من حيث لا تدري.
2. حنة آرنت و”تفاهة الشر”: العاديّ الذي يصير وحشًا
يُجسّد المسلسل فكرة حنة آرنت عن “تفاهة الشر”، حيث لا يبدو الجناة أشخاصًا خارقين أو شيطانيين، بل أفرادًا عاديين، لهم وجوه، وأعمال، وحياة يومية. ولكنهم لحظة انكشاف، يسقطون في جريمة مروّعة، هذه التفاهة لا تنبع من انعدام الإنسانية، بل من غياب التفكير الأخلاقي، من الاعتياد على القوانين دون وعي. وهذا ما يجعل بعض الحلقات مؤلمة: لا لأن الوحش مرعب، بل لأنه مألوف.
3. العنف كعرض لأمراض المجتمع
كما يرى بيير بورديو، فإن العنف الرمزي سابق للعنف المادي. فقبل أن يُزهق الجاني روح الضحية، هناك بنى ثقافية واقتصادية ونفسية مارست عليها عنفًا صامتًا: التهميش، الصمت، الوصم، العار، الذكورة الفائضة… لذلك فإن “وحوش” لا يُدين الفعل فقط، بل ينقّب في ماضيه الطويل: ما الذي يصنع من طفلٍ متروكٍ في الزاوية قاتلًا؟ ما الذي يدفع امرأة مطحونة بالأدوار الاجتماعية إلى جريمة؟ ما الذي يجعل الإنسان يخرق ما تبقّى له من شرط الآدمية؟
4. المرآة السوداء: دراما لا تعفو
في فكر جان بودريار، لا شيء أكثر فظاعة من المرايا التي تعكس الحقيقة كما هي، دون وهم، دون مكياج. و”وحوش” هو هذا النوع من المرايا: سوداء، خشنة، لا تسامح، لا تمنح مسافة مريحة بين المشاهد وموضِع الألم، في عالم تعوّد أن يزيف الواقع بالدراما، يأتي هذا العمل ليقول: لا فواصل بين الخيال والحقيقة، فالوحش ليس خرافة، بل تجربة محتملة في أي شارع، داخل أي بيت. المسلسل لا يروّض الوحش، بل يطلقه في وجهك.
5. ما بعد الإنسان؟ نيتشه يسأل
“وحوش” لا يحكي فقط عن السقوط، بل عن حدود ما يجعلنا بشرًا. وهذا سؤال نيتشوي بامتياز:
هل الإنسان غاية أم مرحلة عابرة؟ وهل يمكن أن يكون الوحش هو الشكل النهائي للإنسان حين يفقد المعنى؟
المسلسل يُقرّبنا من فكر نيتشه حين يقول: “من يحارب الوحوش، فليحذر ألا يتحول إلى وحش. وإذا حدّقت طويلًا في الهاوية، فإن الهاوية تحدّق فيك أيضًا.”
كل شخصية هنا تقف على حافة هذه الهاوية: بعضهم يسقط، بعضهم يتشبث بالأمل، وبعضهم يُفضّل أن يُنكر الهاوية أصلًا.
*نقد واستدراك: أين يكمن الخلل؟*
ورغم كل هذا العمق، لم يسلم المسلسل من بعض الهفوات. أحيانًا، يسقط في فخ التقريرية، ويفرض على الشخصيات خطابات جاهزة بدل أن يُفسح لها المجال لتقول ما يجب أن يُقال من خلال الصمت أو التصرّف؛ كما أن تنويع القصص أضعف أحيانًا خيط التماسك العام، وجعل المتفرج يتخبط في كثافة المادة دون خريطة واضحة. وربما كان من الأجدى أن تُركّز الحلقات على عدد أقل من الشخصيات لبلوغ عمق أكبر.
*نحو دراما تتفلسف*
في زمن تحوّلت فيه الأعمال الدرامية إلى وسائل للتهدئة أو التجميل، يبرز “وحوش” كعمل لا يهادن. هو مشروع فلسفي قبل أن يكون فنيًا، تجربة جمالية قاسية، لكن ضرورية، لا يمنحك الراحة، بل يدفعك إلى النظر في ذاتك، في جارك، في طفلك… والاعتراف: نحن نُحب الوحش حين يكون في الأخبار، ونكرهه حين نكتشف أنه في داخلنا.
“وحوش” ليس مجرد مرآة… بل محكمة صامتة.
والسؤال: من فينا يخرج منها بريئًا؟
