عبد السلام أندلوسي
في زمن تتشابك فيه الذاكرة الشعبية مع سرديات الاستعمار، ويظلّ التاريخ حبيس رؤى متعارضة بين من عاشوه ومن دوّنوه، وبين من “حرص على إخفاء المعلومات والوثائق، أو تغييبها، أو إتلافها خدمة لأهوائه وأهدافه الشخصية، أو خوفا من تعرضه لبعض المشاكل أو المضايقات”، بحسب رأي محمد جهاد، نجل الأستاذ النقيب علي بن الغالي الريسوني، تتأكد أهمية ترجمة كتاب «سلطان الجبال: قصة حياة الريسوني / The Sultan of the Mountains, the Life Story of Raisuni »، الذي صدر بنيويورك عام 1924، للمستكشفة البريطانية روزيطا فوربس، باللغة الإنجليزية عن دار Henry Holt and Company للتوزيع والنشر.
فبعد حوالي خمس سنوات من العمل الدؤوب، والغوص في أعماق دلالات التعابير والمصطلحات، ذات البعد الأدبي الرحلي الاستطلاعي أكثر منها تاريخية أو علمية أو سياسية، موثقة في النسخة الإنجليزية للكتاب من زاوية غربية متأثرة بالصحافة الاستعمارية آنذاك، تمكنت الدكتورة إيمان الريسوني، سليلة أسرة وطنية عرفت في الأوساط الشمالية بولعها الشديد بكل ما هو تاريخي، وقانوني، وإعلامي، أستاذة التعليم العالي بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، متخصصة في مجال مناهج الترجمة، والترجمة القانونية والمؤسساتية، و الدراسات التي تربط بين اللسانيات والترجمة.. تمكنت، من نقل كتاب روزيطا فورس إلى اللغة العربية، مساهمة بذلك في تقريب القارئ المغربي، والعربي بشكل عام، من مجموعة من البيانات والوقائع التي كانت المؤلفة شاهدة عليها.
ولقد أجمعت المداخلات التي ألقيت في حفل تقديم النسخة العربية للكتاب الذي نظم احتفاء بالذكرى المئوية لوفاة مولاي أحمد الريسوني، في إطار فعاليات الدورة الثانية لأمسية الوفاء، مساء يوم السبت 8 نوفمبر الجاري، بدار المحامي بتطوان، بمشاركة الأساتذة عبد السلام بن حدو، أستاذ الترجمة، شعبة اللغة الإنجليزية بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة سابقا، والمؤرخ عبد العزيز السعود، والدكتور أحمد الحريشي، على أهمية النسخة العربية للكتاب، باعتبارها نافذة جديدة وحديثة تسهم في إعادة قراءة إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المغرب الحديث. فبين صفحات هذا العمل يتقاطع الأسطوري بالواقعي، وتتداخل صورة المقاوم بصورة الخارج عن القانون، ليتحوّل الريسوني من مجرد اسم في سجلات المواجهة مع القوى الأجنبية إلى شخصية مركبة تُجسّد روح مرحلة مضطربة ومفعمة بالتحولات.
تقول الدكتورة إيمان الريسون،” إن ترجمة الكتاب، الذي يتشكل من حوالي 300 صفحة من الحجم المتوسط، هو ثمرة تقاطع بين كونه إرثا عائليّا أفتخر بالانتماء إليه، وبين كونه جزءا من انشغالاتي المهنية كأستاذة للغة الإنجليزية والترجمة ولسانيات النص بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة .. هذا التقاطع الذي لا ينفصل عن الشعور المركب بين مسافة الباحث وشعور الانتماء، جعلني أقترب من الكتاب بحساسية مضاعفة، وبمسؤولية أكبر تجاه الأمانة التاريخية واللغوية معًا .. وقد ازداد شغفي بهذا العمل لأنه جاء بناء على طلب من والدي رحمة الله عليه، والذي كان يرى في هذا الكتاب شهادة تاريخية تستحق أن تُقرأ باللغة العربية، وتُنقل للأجيال القادمة”.
ويشيرمحمد جهاد الريسوني، الأمين العام لرباط الزاوية الريسونية بالمغرب” كان الكتاب محط اهتمام من لدن المؤرخين الإسبان الذين قاموا بمحاولة لترجمته ونشره، وهو ما وفر مادة علمية قد لا تخلو من الشك أو الريبة في محاولة ترجمة بعض الأحداث والوقائع التي ترويها مؤلفته وفق ما يناسب أهواءهم وأطروحاتهم، وهنا تتجلى القيمة العلمية للترجمة التي بين أيدينا… فهي من إنجاز دكتورة في الترجمة، متشبعة بالمبادئ الأكاديمية والمناهج التربوية لهذا المجال الفريد من نوعه، المثير في مضمونه، مع العلم أننا لن نغلب في إيجاد من قد يضع مصداقية هذا العمل دائما محل امتحان أو اختبار . لكن لنا اليقين الكامل في أن حياد المترجمة وتحليها بالمسؤولية، وإيمانها الراسخ بسمو الرسالة التنويرية وثقل الأمانة العلمية التاريخية الملقاة على عاتقها، كان حافزا لها لإيجاد أفضل العبارات وانتقاء أدق الصيغ لإيصال الفكرة التي سطرتها المؤلفة كما هي دون تحيز أو تحوير”.
تمثّل الترجمة العربية لكتاب روزيتا فوربس نافذة جديدة لإعادة قراءة إحدى أهم الشهادات الرحلية حول شمال المغرب خلال بدايات القرن العشرين. فهي تتيح للقارئ العربي فرصة تأمّل صورة المغرب كما رآها المستكشفون الأوروبيون، بكل ما تحمله من انبهار وانحياز واستغراب. وعلى الرغم من الطابع الاستطلاعي الذي يميل إلى لغة الصحافة (Reporter)، والاستشراقي الذي يطبع أسلوب فوربس، فإن قيمة النص تكمن في ما يقدّمه من وقائع ميدانية نادرة عن الريسوني والمجتمع الجبلي. وتبقى هذه النسخة العربية خطوة مهمة لإعادة إدماج هذا النص في سياقه التاريخي والثقافي الصحيح. وبذلك يصبح الكتاب وثيقة تُقرأ نقديًا بقدر ما تُقرأ سرديًا.
ترجمة الدكتورة إيمان الريسوني
