في عتمة الوجود المتشابك، حيث تتقاطع الأضواء والظلال، ينبثق حضور “جيلان” كظلٍ مضيء، ليس ظلًا يختبئ خلفه، بل ظلاً يرافق النور، يزدهر به ويتناغم معه. هذه العلاقة بين الأب والابنة تتجاوز حدود البيولوجيا، لتصبح فضاءً فلسفيًا تنسج فيه أنساق الأبوة مع الانزياحات الوجودية، حيث يتحول الإبداع إلى سيمفونية لا تقف عند حدود الوراثة، بل تتجاوزها نحو التجديد والاختلاف، هنا، في هذا الحوار الرمزي، نقرأ كيف يمكن للظل أن يكون ضوءًا، وكيف للأبوة أن تصير رحبة تنمو فيها روح الابنة، لا قيدًا يحاصرها. إنها قصة حضور غائب، وغياب حاضر، وسيمفونية مستمرة من التفاعل بين الجذور والامتداد، بين الذات والآخر، بين الماضي والحاضر، حيث يولد الإبداع من رحم الانزياح، في فضاءات الإبداع حيث تتنازع الأضواء الأرواح، وتتبدد الهُويات في زحامِ الشهرةِ العابرة، تنبثقُ علاقةُ سعيد مجاهد بابنتِه جيلان كضوء ثابت في أفقٍ متلائم. ليست هذه مجرد سيرة عابرة، بل هي أنثروبولوجيا خاصة للفن، تتجاوز العلاقةَ البيولوجيةَ إلى فضاءات الأسئلة الوجودية: كيف تُورَّثُ الموهبة؟ وكيف يتحول الأبُ إلى حاضنةٍ إبداعية؟ وكيف تصيرُ الابنةُ امتداداً روحياً لا مجرد وريثة جينات؟
إن هذه العلاقة، التي تتخللها الموسيقى وتتخلّق من صمتِ الفهم العميق، لا تشبه كثيرًا ما نعهده في العلاقات الفنية المتوارثة. إنها ليست محض توارثٍ للأدوات والأساليب، بل تداخل في الأنفاس، وتناصٌّ على مستوى الرؤية والكينونة. لقد ارتقت من مجرد نسبٍ دموي إلى نسبٍ رمزي، كما لو أن الفن ذاته قرر أن يتجسد مرة ثانية في شخص الابنة، ولكن بهوية جديدة، لغة جديدة، ونَفَس مختلف. إنها العلاقة التي تذكّرنا بمفهوم “الاستمرارية المتجاوزة” عند بول ريكور، حيث لا يكون الامتداد تكرارًا، بل تطورًا ضمن خط زمني مُفارق، يحتفظ بجذوره دون أن يُسجن فيها.
سعيد مجاهد – ذلك الفيلسوف الصامت الذي اختار أن يتكلم بأوتار عوده – لم يكن يعزفُ على الآلات، بل كان ينسجُ عوالمَ موازية. في ألبوم “العزيزة علي”، لم تكن النوتاتُ مجردَ أصوات، بل كانت استعارةً للحنين المغربي الأصيل. ذلك الحنين الذي وصفه “جبران” بأنه “ألمٌ يبحثُ عن كلمات”. كان سعيد يدرك أن الموسيقى ليست حرفةً، بل هي سؤالٌ وجودي، فجاءت أعمالُه كمناجاةٍ بين الذات والتراب، بين الأصالة والاغتراب، لقد كان العود بالنسبة إليه، كما القلم عند المتصوف، وسيلة للعبور من الحسي إلى المجرد، ومن المألوف إلى المتعالي. ولذلك، فإن أعماله لا تندرج ضمن “الأغنية المغربية” فحسب، بل تمثل جزءًا من أرشيف الذاكرة الجماعية. لقد بنى مجاهد عالمًا خاصًا، منسوجًا من نوتات وذكريات، وحوّل الحنين من شعور سلبي إلى طاقة خلاقة، كما في تصوّر غاستون باشلار حين يتحدث عن “قوة الذكرى الشعرية” بوصفها أداة لإعادة تشكيل العالم.
الانزياح عن الوصاية الأبوية
لم تكن خولة (جيلان) مجردَ وعاءٍ لموهبة الأب، بل كانت الانزياحَ الذي أضاءَ المسكوتَ عنه في العلاقات الإبداعية. لقد فهمتْ مبكراً أن الإرثَ الحقيقي ليس التكرار، بل الانزياح المدروس. في “ذا فويس”، لم تكن تبحثُ عن الشهرة، بل كانت تختبرُ هويتها المنفصلة عن ظل الأب. ثم جاءت “ها وليدي” لتكونَ البيانَ الفني الذي يحترمُ الجذورَ دون أن يخافَ على الأغصان. تلك المفارقةُ التي أدركها “أدورنو” حين قال: “كل عمل فني حقيقي هو انزياح عن سلفه”، لقد قررت أن تتعامل مع التراث لا بوصفه “نصًّا مغلقًا”، بل “أفقًا مفتوحًا” — على حد تعبير غادامير. فكل أغنية تصدر عنها هي تأويل جديد لذلك النص الذي تربت عليه، وكل أداء لها هو قراءة معاصرة لما كان يبدو جامدًا أو منتهيًا. إنها تمارس النقد بصيغة فنية، وتُدخل اللغة الشعبية في حوار مع العالمي، دون أن تفقد انتماءها الأول.
سيمفونية العلاقة: بين الحضور والغياب
اللحظةُ الأكثرُ شعريةً في هذه العلاقة تكمنُ في ذلك التوازن الدقيق بين الحضور الأبوي والغياب المدروس. لم يختفِ سعيد خلفَ ابنته، لكنه لم يقفْ حاجزاً أمامَ شمسها. في كليب “ها وليدي”، كان حضوره كظلٍّ يوازي النورَ دون أن يحجبه. تلك هي فلسفةُ الأبوة الإبداعية في أرقى تجلياتها: أن تكونَ الجذرَ الذي يغذي دون أن يختنق، أن تكونَ الذاكرةَ التي تُذكرُ دون أن تُملي، هذا التوازن بين الحضور والغياب لا يتحقق إلا حين تتحول الأبوة إلى تجربة روحية أكثر منها ممارسة سلطوية. فالغياب هنا ليس تقصيرًا، بل شكلٌ راقٍ من أشكال الحضور غير المباشر. وهو ما يجعل علاقة سعيد بجيلان نموذجًا لفلسفة “التراجع المُضيء”، حيث يُفسح الأب المجال للابنة كي ترى نفسها لا من خلاله، بل من خلال ما تبنيه هي من وعي وجرأة ومسار.
الأب الفنان وسحر التأسيس
في ظل شمس الرباط الذهبية، حيث تتنفس الموسيقى عبق التاريخ، نشأ سعيد مجاهد كحارس أمين للتراث الموسيقي المغربي. لم يكن مجرد عازف عود تقليدي، بل كان فيلسوفاً موسيقياً أدرك مبكراً أن الفن الأصيل هو الذي يجذر نفسه في التربة الثقافية بينما يمد فروعه نحو آفاق الإبداع المعاصر. ألبومه “هنية – صوت النسيم” (1986) لم يكن مجرد مجموعة ألحان، بل كان بياناً فنياً يوثق لحظة التحول في الموسيقى المغربية، حيث مزج بمهارة فائقة بين تعقيدات المقامات الشرقية وحيوية الإيقاعات المحلية. في مهرجان جاز الأوداية (2003)، قدم سعيد مجاهد درساً عملياً في كيفية الحوار بين الثقافات الموسيقية، حيث حوّل العود من آلة تقليدية إلى وسيط ثقافي قادر على مخاطبة العالم بلغة كونية. لكن إنجازه الأكبر لم يكن في هذه الأعمال الفردية، بل في قدرته على تحويل خبرته الفنية إلى منهج تربوي متكامل، زرعه في ابنته جيلان بكل حكمة وصبر، فكان يقدم لها المعرفة كهدية ثمينة لا كأمر مفروض، ويشجعها على الاكتشاف الذاتي مع بقائه كمرجعية آمنة ترشد دون أن تفرض، وتقترح دون أن تُملي، هكذا يصير الفنان حين يبلغ مرحلة النضج مرشدًا لا معلّمًا، ويصير الأب الحق هو الذي لا يخاف من أن تتجاوزه ابنته يومًا. وسعيد مجاهد لم يخلق فقط موسيقاه، بل خلق بيئة رمزية مكّنت ابنته من النمو، والتحول من متلقية إلى مبدعة، من “متأثرة” إلى “مؤثرة”.
الابنة المبدعة وتجديد التراث
لم ترث جيلان عن أبيها الموهبة فحسب، بل ورثت ذلك الشغف العميق بالجذور مع الشجاعة في التجديد. في رحلتها الفنية، تحولت من مجرد حاملة لإرث موسيقي ثقيل إلى فنانة قادرة على تحويل هذا الإرث إلى طاقة إبداعية متجددة. مشاركتها في “ذا فويس” لم تكن سعياً وراء الشهرة العابرة، بل كانت محطة ضرورية لاختبار موهبتها خارج الإطار الأبوي الآمن. عندما أطلقت “ها وليدي”، لم تقدم أغنية عادية، بل قدّمت بياناً فنياً جديداً يزايد بين الأصالة والمعاصرة ببراعة نادرة. الكليب الذي جمعها بأبيها لم يكن مجرد عمل فني، بل كان لحظة تسليم رمزية، حيث يقف الأب بكل تواضع خلف ابنته، ليس كظل يخفيها، بل كشمس تدفئها وتضيء طريقها. استطاعت جيلان بذكاء فني نادر أن تحافظ على الروح المغربية الأصيلة في أعمالها بينما أعادت صياغتها بلغة العصر، فجاءت أغانيها كحوار خلاق بين جيلين، بين مدرستين، بين رؤيتين متكاملتين. اليوم، بينما تحلق جيلان في سماء العالمية، تحمل في كل نغمة تغنيها ذلك الحس المغربي الأصيل الذي غرسه فيها أبوها، لكنها تقدمه للعالم مغلفاً برؤية معاصرة تثبت أن التراث ليس متحفاً نزيوره، بل شجرة حية قادرة على أن تثمر من جديد.
إنها لا تسير “بعكس التاريخ”، بل تضعه في “جدل الخلق”، مستعيدةً في أغنياتها روح المعنى المغربي العميق، ومقدمة له جسدًا صوتيًا حداثيًا قادرًا على العبور نحو العالم.
في النهاية، سعيد مجاهد ليس مجرد اسمٍ في قائمة الفنانين، بل هو علامةٌ على أن الفنّ الحقيقيّ لا ينفصل عن الحياة. هو السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: كيف نعيش؟ وكيف نخلق؟ في كلّ عزفةٍ من عزفاته، هناك جوابٌ مختلف، لكنّه دائمًا ما يكون جوابًا عن الحبّ، عن المغرب، عن الإنسان الذي يبحث عن معنى في عالمٍ ينسى أحيانًا أن يكون جميلًا، هكذا يكون الفنان فيلسوفًا، حين يحوّل الألحان إلى تأملات، والحياة إلى أغنية لا تنتهي، في عزفه، نلمس ما يسميه ميرلوبونتي بـ”الانكشاف الجوهري للحسّ”، أي تلك القدرة على جعل اللحن فعلًا كاشفًا للوجود، ومفتاحًا لفهم الذات والمجتمع.
سعيد مجاهد ليسَ فناناً عادياً، بل هوَ ظاهرةٌ فلسفيةٌ تُذكّرنا بأنّ الفنَّ هوَ آخرُ معاقلِ الإنسانيةِ في وجهِ العولمةِ والنسيان. حضورُه في الساحةِ الفنيةِ كانَ كاللحنِ الذي يُسمَعُ في الخلفيةِ، خافتاً لكنّه أساسيّ. هوَ الرجلُ الذي حوّلَ حياتَه إلى سيمفونيةٍ صامتة، تُعلّمنا أنَّ الجمالَ لا يحتاجُ إلى صخبٍ ليكونَ خالداً، في عالم يتسارع نحو التفاهة، تبرز أصوات مثله كملاذٍ رمزي، كذكّر بأن الفن لا يُستعمل، بل يُعاش. هو ذلك “الهامش الذي يصحّح مركز العالم”، لأنه يذكّرنا بأن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وبأن الحضور لا يعني الهيمنة، بل الاتساق العميق مع الذات.
بقلم الدكتور: حمدي تريعي
