بقلم الناقد: حمدي تريعي
لطالما ارتبط نجاح بنات لالة منانة في وجدان المغاربة بلمسة ياسين فنان، الذي استطاع في الجزأين الأول والثاني خلق توازن مدهش بين فانتازيا الحكاية وواقعية المكان. لكن الجزء الثالث، وتحت قيادة شوقي العوفير، يبدو وكأنه عمل يحاول جاداً تقليد نفسه، ساقطاً في فخ التكرار والمط والتغييرات غير المبررة في الهوية البصرية والدرامية.
تكمن فلسفة بنات لالة منانة في الأجزاء الأولى (ياسين فنان) في كونه لم يكن مسلسلاً عن مدينة، بل كان مسلسلاً عن روح المدينة. لقد صاغ فنان كادراته بمنطق الحميمية الخانقة؛ حيث كانت الكاميرا تتحرك كأنها أنفاس مخنوقة داخل ردهات الدار، الضوء لا يقتحم المكان بل يتسلل إليه بحياء، مما خلق نوعاً من التصوف البصري الذي يجعل من شفشاون رحماً أزرق يضم عذابات النساء. كان فنان يدرك أن بنات لالة منانة هو صراع بين الداخل الساكن والخارج المشتهى، فكانت لقطاته تعمق هذا الانفصام الوجودي.
أما مع انتقال الدفة إلى شوقي العوفير في الجزء الثالث، فقد حدث انكسار في هذه الفلسفة الأنطولوجية للمكان. لقد تحول الكادر من فضاء نفسي إلى ديكور سياحي. كاميرا العوفير، رغم احترافيتها، مارست نوعاً من العري البصري؛ حيث أصبحت الإضاءة سافرة والألوان أكثر حدة، مما طمس غموض الأزقة لصالح وضوح البطاقة البريدية. في هذا الجزء الثالث، فقدت الجدران الزرقاء قدرتها على الهمس، وتحولت من شواهد على القهر الأنثوي إلى مجرد خلفيات أنيقة لتصوير المشاهد. لقد غادر السحر الكادر حين استبدلت شاعرية الظلال عند فنان بواقعية السطح عند العوفير، ليتحول العمل من تجربة حلولية في المكان إلى مجرد فرجة بصرية عابرة.
ظلال نبيل عيوش والجرأة المصطنعة
تأخذ الجرأة في هذا العمل منحى مغايراً تماماً لتلك الشاعرية المكبوتة التي ميزت بدايات المسلسل؛ فبعد أن كانت الجرأة تكمن في المسكوت عنه خلف التأويلات الذاتية للمتلقي، تحولت مع شوقي العوفير إلى صدمة بلا عمق، تفتقد للضرورة الدرامية التي تبرر وجودها. وهنا تبرز بوضوح ملامح سينما نبيل عيوش التي يبدو أنها خيمت بظلالها على الرؤية الإخراجية للعوفير؛ حيث نلمس ذاك البرود الإكلينيكي في معالجة الطابوهات، والرغبة في التعرية بغرض الصدمة البصرية لا الكشف الوجداني.
إن حضور روح عيوش في هذا الجزء يأتي بشكل غير مباشر وميكانيكي، وهو ما يفسر ربما تلك الثقة المطلقة التي يوليها عيوش لشوقي العوفير؛ فكلاهما يشتركان في نزعة الواقعية الفجة التي تراهن على كسر التوقعات الاجتماعية، لكنها في بنات لالة منانة سقطت في فخ التغريب البصري. لقد استبدلت حميمية ياسين فنان، التي كانت تجعل من الخطيئة وجعاً إنسانياً، بجرأة عيوش التي تجعل من المشهد الجريء مجرد أداة تقنية لإثارة الجدل (Buzz). هذه الجرأة المصطنعة لم تزد العمل إلا اغتراباً، حيث فقدت شفشاون قدسيتها الصوفية لتصبح مختبراً لتجربة إخراجية من طرف شوقي العوفير تراهن على الاستفزاز أكثر مما تراهن على الاستبطان، مما جعل الصدمة تمر عابرة بلا أثر حقيقي في وعي المشاهد، كطلقة طائشة في فضاء أزرق ساكن.
الأداء التمثيلي: صخب الميلودراما مقابل الاتزان الوجودي
في الجزء الثالث، يبرز شرخ فلسفي عميق أيضاً في الأداء التمثيلي، حيث تاهت بعض الشخصيات في فوضى الاستعراض الخارجي بينما حافظت أخرى على جوهر الكينونة. نجد أن سامية أقريو قد استسلمت لسطحية واضحة، حيث بدت شخصيتها كأنها أيقونة مجمدة تجتر نجاحات الماضي دون إضافة وجودية حقيقية، وهو ما تماهى مع أداء نورة الصقلي التي انزاحت نحو فلسفة الصراخ. لقد تحول الانفعال عند الصقلي من طاقة داخلية محتقنة إلى ضجيج بصري وصوتي يطغى على الكادر، محاولاً سد فجوات البناء الدرامي بالضوضاء، مما جعل الأداء يفقد وقاره ويتحول إلى ميلودراما صاخبة تفتقر إلى النبرات المريرة والهادئة التي أسست لسحر المسلسل.
في المقابل، يبرز الحضور الاستثنائي لـ “السعدية لاديب”، التي قدمت درساً في الديناميكية المتزنة. إن حركية لاديب في هذا الجزء ليست مجرد حركة ميكانيكية، بل هي حركية وجودية؛ فهي تتنقل في الفضاء الدرامي بطاقة عالية وتعبير جسدي نشط، لكنها تظل محكومة بـ عقل درامي يمنعها من السقوط في فخ الابتذال أو المبالغة. إنها تمارس نوعاً من الرقص فوق حبال الانفعال، حيث القوة في الفعل، والاتزان في رد الفعل، مما جعلها المحرك الفعلي للعمل والحارس الأمين لروحه الأصلية، ويكتمل هذا المشهد الرصين بظهور عادل أبا تراب، الذي يثبت مرة أخرى أنه مخرج داخل الممثل. أبا تراب لا يؤدي دوراً، بل يمارس نحت الشخصية؛ حيث يمنح حضوره للعمل ثقلاً واقعياً يكسر حدة الجماليات النظيفة للجزء الثالث. إنه يمتلك قدرة فذة على تطويع ملامحه وصوته لخدمة اللحظة الدرامية دون استعراض، مما يجعله قيمة مضافة تمنح المشاهد شعوراً بالثقة في صدق ما يراه. ويجاور هذا الألق حضور ياسين أحجام، الذي حافظ على ثباته الأنطولوجي؛ فأحجام يمثل بـ أقل قدر من الاستعراض وأكبر قدر من الحضور، مبرهناً على أن الممثل الحقيقي هو من يمنح الشخصية ثقلاً دون حاجة إلى ضجيج.
السعدية أزكون: بوصلة العمل وهيبته
لا يمكن استكمال قراءة الصدق الدرامي في هذا الجزء دون التوقف بإجلال عند حضور الهرم السعدية أزكون، التي تظل بوصلة العمل وركنه الحصين. إن السعدية أزكون تمارس في بنات لالة منانة نوعاً من الأمومة الدرامية الشاملة؛ فهي لا تمثل الشخصية بقدر ما تسكنها بوقار فطري وعمق وجداني يذكرنا بأساسات الدراما المغربية الرصينة. في الوقت الذي تاهت فيه بعض الشخصيات في صخب الديجيتال وتصنع الملامح، بقيت أزكون مخلصة لـ فلسفة الوجه العاري، حيث كل تجعيدة في ملامحها تحكي قصة، وكل نظرة منها تعيد للعمل هيبته المفقودة. إنها تمنح المشاهد ذاك الشعور بالأمان الفني، مبرهنة على أن الكاريزما لا تشترى بـ البوتوكس ولا تستجدى بـ اللايكات، بل تنتزع بالحلول الكامل في روح المكان وإرثه. بوجود السعدية أزكون إلى جانب لاديب وأبا تراب وأحجام، يتشكل مربع الصمود الفني الذي أنقذ الجزء الثالث من السقوط التام في فخ السطحية.
شخصية جميلة: من ملامح القلق إلى جمود القناع
تنهض شخصية جميلة في بنية بنات لالة منانة على فلسفة التمرد الهش؛ فهي الشخصية التي تحاول اجتراح مسارات جديدة للحياة بعيداً عن سلطة الأم، وقد نجحت مريم الزعيمي في الأجزاء السابقة في تجسيد هذا الصراع عبر ملامح حادة ومتغيرة وقدرة تعبيرية تعتمد على عضلات الوجه الحية التي تنقل القلق، الخوف، والشهوة للحياة في آن واحد.
ومع حلول نرجس الحلاق كبديل لـ جميلة، نجد أنفسنا أمام ما يسميه الفلاسفة جمود القناع (The Mask vs The Face). إن المشكلة هنا تتجاوز مجرد تغيير الوجوه إلى أيديولوجيا الملامح؛ فنرجس الحلاق، وبفعل استسلامها لتقنيات التجميل المفرطة (البوتوكس والفيلر)، فقدت ما يسميه غروتوفسكي الوجه العاري القابل للتشكل الدرامي. لقد تحول وجه جميلة من مساحة للتعبير عن الانكسارات الوجدانية إلى سطح أملس غير قابل للاختراق، حيث تخمد المشاعر خلف جدار من الجمود العضلي الذي يمنع الصدق الفني من العبور للمشاهد، يضاف إلى هذا الاغتراب البصري ما يمكن تسميته استهلاك البريق في الفضاء الرقمي؛ فامتهان نرجس الحلاق لدور المؤثرة (Influencer) على إنستغرام أحدث نوعاً من الابتذال الفينومينولوجي لصورتها. الفلسفة الجمالية للسينما والدراما تتطلب نوعاً من المسافة أو الغموض حول الممثل ليتمكن من الحلول في الشخصية، لكن حين يستهلك الممثل صورته يومياً كـ سلعة في سوق المؤثرين، فإنه يفقد تلك الهالة (Aura) التي تحدث عنها والتر بنيامين.
الخاتمة: انتصار الأداء الوجودي
في صفوة القول، يظل مربع الصمود مكتملاً في هذا العمل بوصفه تجسيداً لما يمكن تسميته بـ الاستثناء الأنطولوجي؛ حيث ينبري الرباعي الباذخ (السعدية أزكون، وياسين أحجام، وعادل أبا تراب، والسعدية لاديب) كأهرامات تقاوم الاندثار في رمال الدراما الاستهلاكية. إن حضور السعدية أزكون هنا ليس مجرد أداء تمثيلي، بل هو استعادة لوقار العمل الضائع من خلال فينومينولوجيا الوجه الخام؛ تلك الملامح الصادقة التي أبت أن تتلوث بإمبريالية التجميل الاصطناعي، فظلت تجاعيدها خرائط حية للذاكرة الشاونية، تعيد للعمل رائحة لالة منانة الأصلية.
إن الجزء الثالث، في عمقه الفلسفي، ما هو إلا ساحة لصراع محتدم بين تقنية الزيف التي تسعى لتحويل الفن إلى كادر نظيف ومعقم، وبين أصالة الحلول التي يتشبث بها هذا الرباعي؛ إنه الصدام الحتمي بين التحديث الاستهلاكي الذي يغتال المعنى، وبين الأداء الوجودي الذي ينتصر للإنسان في قلقه وضعفه. ففي نهاية المطاف، يبرهن هذا الصمود على أن الدراما الحقيقية ليست هندسة تقنية للضوء، بل هي إشراق من الداخل؛ وجه يمتلك شجاعة التعبير عن الحزن دون أقنعة، وصمت بليغ يسكن الفراغ ليمنحه صوتاً.
